لا شيء أعمق من الصوت الآتي من بعيد , ولا شيء يُربك أكثر من الإصغاء له في ساعة هي الأكثر إرتباكاً بين ساعات الليل ,
يندلق الصوت بلطف إلى مسمعي , ثم لا أجدني , إذ أن كل ما حولي يطير بي للأعلى بينما صوتي يسقط للأسفل , المعادلة التي سبقها انتظارا معجون بلهفة الترقب والحيرة في الطرف الأبعد عن ذلك المكان الذي كان صوتي يعلو فيه بشدة , كنت لازلت أيضاً أترقب الوصول , مثله .
ذلك الليل الذي كان يحول دون إطلاع الكثيرين على وصولي إلى مرحلة العمق , كان يراقب بذهول كيف أن الهبوط الحاد في صوتي يقابله إرتفاعاً مهولاً في قامتي , أصبحت عملاقاً كل ما أصغى لذلك الصوت بعمق زاد تضخماً وعلوّاً , وزاد صمتاً .
في داخلي تعبث الكلمات العالقة والتي اقتطفتها من ذلك الصوت , تحرك أشياء ساكنة منذ زمنٍ بعيد , تخبرني أن الطرقات التي أقول عنها خاوية لا تعني الفراغ , ذلك الفراغ الذي لا أحب , يكون معلقاً على أطراف الصوت الآتي من بعيد , فيصبح امتلاء لا حدود له , يكون حياة جديدة قد إمتدت على طول المسافة الفاصلة بين صوتين التقيا عند نقطة واحدة , تلك الكلمات تجعلني أبدو أكثر وسامةً وأكثر أناقة , أتخيل ذلك وأنا أقف أمام الصوت كمرآةٍ حقيقية , وأصدّق ذلك .
أغيب بعدها , ولا شيء أعمق من المكان الذي أنا فيه , ولا شيء يُربك أكثر من حاجتي لذلك الصوت , حاجتي للإرتفاع مجدداً , للأعلى , لإصغائي للكلمات التي تجعلني وسيماً وأنيقا وحقيقياً , ليتدلّى صوتي من جديد ويهبط , ويرتفع كلّي . لأن أكون مغروراً أكثر , عند ملامسة الصوت العظيم طرفاً مني .
0 التعليقات:
إرسال تعليق